Powered By Blogger

السبت، 8 مارس 2014

حتمية انهيار الاقتصاد العالمي ـ كريستوف ليمان


صف بنك التسويات الدولية (BIS): الوضع الحالي للأسواق المالية بكونه أسوأ ممّا كان عليه قبل انهيار شركة "ليمان براذرز" و إفلاسها سنة 2008 . ففي تقريرة الربع سنوي وصف البنك الوضعية الماليةبالحرجة و ذكر بشكل مباشر إمكانية التخلي عن الأوراق النقدية . كما أشار الخبراء لإمكانية حدوث أزمة مالية مفاجئة بين 2014 و 2015 بنسق سريع يصعب إحتواؤه. و قال كريستوف ليمان مؤسس مدونة إن إس إن بي سي أن التقرير العملي الصادر عن بنك التسويات باعث على التشاؤم و هو ما قد يكون احد العوامل التي دفعت مسؤولي بنك الإحتياط الفدرالي الأمريكي على اتخاذ القرار بمواصلة طباعة الأوراق بصفة لا نهائية غير عابئين بما قد يحدث في المستقبل القريب . و هو ما حذر منه الخبراء تحديدا. البنوك المركزية تحاول إحتواء الأزمة ، بينما يؤكد الخبراء الإقتصاديون أن بنك الإحتياط الفدرالي و البنك المركزي الأوروبي قد عجزا عن السيطرة على تدفق السيولة المالية و القروض . إن مشكلة سياسة التسهيل الكمي* أنها من السياسات التي دفعت لأقصاها ممّا جعل محافظ البنك المركزي الصيني "يي غانغ" يصرّح منذ ما يزيد عن سنة أن الصين تفضل تجنب حرب العملات العالمية ، و هي أمر يبدو أن لا مفر منه . و مشكلة الإقتصاد الأوروبي أن إدعاء وجود سيولة كافية ينكشف حالما يفتح أحدهم كتابا للتثبت من الأمر . كل شيء تم الإعداد له مسبقا و انتهت اللعبة. إن مراكمة الديون لا تخلق ثروة أو سيولة. ليس من المستبعد أن " بن بيرنانكي " رئيس مجلس الإحتياط الفدرالي قد قرّر مواصلة العمل كأن لا شي يمكنه التأثير على الوضع المالي ، و حقيقة الامر ببساطة أنه إذا ما أقر أحدهم بمصداقية تقرير بنك التسويات الدولية فقد أقر بأن الوضع شبه كارثي لِمَ القلق ممّا إذا كان الورق النقدي سيستحيل إلى مشكل على أيه حال ؟ مجددا إذا أقررنا بمصداقية خبراء بنك التسويات و قمنا بتطبيق إحدى أبسط قواعد المنطق فإنه بتحسين آلة الطباعة مثلا و زيادة مستوى تحليق المروحيات فلن يتحسن الوضع المالي. مشكلة بنك الإحتياط الفدرالي و البنك المركزي الأوروبي أنه تستحيل إعادة معجون للأنبوب الذي كان يوضع فيه بعد أن تم تفريغه لا سيما و أن "بن بيرنانكي" يدوس عليه . و بمراجعة التقرير ربع السنوي فقد أصبح واضحا ان خبراء بنك التسويات أنفسهم لا يملكون حلاّ للأزمة . و من المشاكل التي تواجه إقتصاديي بنك التسويات ، أنهم محاصرون بقوانين المؤسسة و إجراءاتها ، و كما كان ليفعل أي شخص في مكانهم ، فهم لا يريدون خسارة وظائفهم و تفويت فرصة "المصافحة الذهبية"** بالحديث عن الوضع بالوضوح الذي تقتضيه المرحلة . و مع وجود حدث بأهمية إنهيار متوقع للإقتصاد العالمي ما بين 4 إلى 15 شهرا فإن الحاجة لتصريحات واضحة لا لبس فيها هو أمر مفهوم بل و مطلوب . لهذا ففي الحالات المشابهة لما نحن فيه الآن فإنه من الجيد الإستماع لشخص سبق له أن تحصل على "مصافحته الذهبية" من بنك التسويات و لم يعد يخشى الخسارة . و من هؤلاء نذكر ويليام وايت كبير الخبراء الإقتصاديين السابق ببنك التسويات و الذي لم يتردد في الإعلان عن قرب الإنهيار الكبير لا محالة . "كلا لا حاجة لك لمسح نظاراتك " ، هكذا قال . الإنهيار العظيم ! يحذرنا وايت بقطعية وحده كبير الخبراء الإقتصاديين سابقا في بنك التسويات يمكن أن يحدثنا بها ، و اننا نحو انهيار إقتصادي عالمي . إن فقاعة التداين الدولي على وشك الإنفجار . و يشير وايت إلى واقع أن القروض الزائدة عن الحد الممكن أو ما يعرف بقروض المجازفة القصوى قد زادت بنسبة 45% سنة 2013 ، و هذا اعلى بعشر درجات من نسبة سنة 2007 أي قبل سنة من إفلاس شركة الإخوة هنري ، إيمانويل و ماير ليمان . الوضع الآن أسوأ ممّا كان عليه قبل إفلاس شركة ليمان براذرز " ، هكذا صرّح ويليام وايت لجريدة التلغراف البريطانية . و أشار وايت قائلا " كل الإختلالات السابقة لا زالت موجودة. مجموع الدوين الحكومية و الخاصة ، باعتبارها جزء من إجمالي الناتج القومي ، أعلى بنسبة 30% ممّا كانت عليه سابقا . و قد خلقنا مشكلا جديدا في الدول الناشئة التي انتهى بها الأمر عالقة ضمن دورة الإزدهار فالإنحسار ". المشكلة وفقا لوايت أن السياسة المالية الأمريكية أصبحت غير متوقعة و أن الإعتقاد بأن سوقا يزرح تحت ضغوط كثيرة قد يستعيد نشاطه هو وهم . تصريحات وايت لا يدعمها تقرير بنك التسويات فحسب بل تدعمها أيضا الوقائع التي شهدها سوق الذهب . لا أحد يريد الحديث بصراحة عن الأمر حتى يتسنى أخذ أكبر قدر ممكن من الذهب ضمن مساومة حُدد لها مسبقا ثمن باه. ، لكن أصبح من المستحيل تقريبا شراء كميات أكبر من الذهب ، خاصة إن طلبت خدمة التوصيل . و حقيقة رفض الولايات المتحدة تقديم مراجعة بحساب ودائع ألمانيا من الذهب ببنك الإحتياط الفدرالي هي مؤشر على مدى صعوبة شراء الذهب و طلب تحميله . لا أحد يريد البيع بأي ثمن كان . في اللحظة التي يصبح فيها الوضع دائما سيرى العالم أجمع النهاية المفاجئة للمعاملات الدولية و للإقتصاد العالمي . قد يحدث الإنهيار ، أو سيحدث غالبا بين ليلة و ضحاها في فترة ما بين 2014 و 2015. مدينة لندن لن تكون ملاذا آمنا كما يعتقد البعض و كذلك الحال بالنسبة للبنك المركزي بإنجلترا إعتمادا على ما قاله إقتصاديو بنك التسويات الدولية (BIS) . هذا البنك نقد بوضوح التدابير غير الكافية التي اتخذتها البنوك المركزية مشيرا بشكل مباشر لمحافظ بنك إنجلترا "مارك كارني" و زميله محافظ البنك المركزي الأوروبي "ماريو دراغي". "كلوديو بوريو" مسؤول البحث و التطوير ببنك التسويات قال أن سياسة إعادة التوجيه المراد منها تحديد معدلات الفائدة طويلة الأجل عند إبقاء الديون الوطنية منخفضة هي سياسة حُكم عليها بالفشل . بوريو شدد على وجود حدود تمكّن من ضبط السوق و أنها -أي هذه الحدود- واضحة. البنك المركزي الأوروبي يسير نحو إعلان شراء كميات لا نهائية من السندات الحكومية. مجلس الإحتياك الفدرالي و بنك إنجلترا ربطا المعايير بمعدلات البطالة . إن مدى الثورية و طبيعة الثورة التي قد تشعل فتيلها هذه الخيارات الإقتصادية يمكن فهمها إذا علمنا أن البابا "فرانسيس" تخلّى عن خطابه المكتوب و ارتجل بحرية لمدة 20 عشرين تحدث فيها عن عدم إمكانية المواصلة في اتباع نظام إقتصادي يقوم على تأليه المال . قد يقول البعض أن للفاتيكان مدخرات من الذهب و استثمارات في مجال الصناعة العسكرية ، لكن في أوقات الأزمات لطالما كانت الحرب من أفضل مشاريع الإستثمار حتى بالنسبة لأصحاب الكرسي البابوي . من الجدير بالذكر أيضا أن بنك التسويات الدولية قد سبق له خلال سنتي 2012 و 2013 أن قال أن مصداقية الدول الصناعية تراجعت و انحسرت و نصحهم بتقليل ديونهم قدر الإمكان . حذر محافظ المركز الدولي "كوشيك باسو" سنة 2012 من تنامي خطر التداين . و يبدو أن هذا الخطر سيضرب الأسواق المالية العالمية بقوة . و بالنظر لممارسات أمثل "بن بيرنانكي" لا يمكن أن نصفها إلا بالهدامة و المسيئة .تتبادر إلى ذهني حينها قوانين نيوتن ، ليس مهما إن انهار الحائط عليك أو إن ركضت أنت نحوه مبتسما ، الأمر سيان. محافظ البنك الدولي حذر أيضا أنه في 2014 و 2015 علينا توقع حدوث هزات كبرى في المجال الإقتصادي و مجال الأنظمة المالية سكون تأثيرها أكبر ممّا سبق . التصريحات من مصادر داخل البنك الدولي على غرار تصريحات "كارن هودز" محاربو الفساد المالي ، تشير بقوة إلى ان هذه الهزات المالية قد تحدث قبل سنة 2015 نظرا لوجود لوبيات ترفض معالجة الفساد الذي لحق بنظام الصرف المعروف بنظام "بريتون وودز" و فساد المؤسسات التابعة له و كان مؤثرا في تراجع الثقة في الدولار الأمريكي . و رغم ما تبدو عليه "كارن" من تفاؤل و ثقة في إمكانية تخطي نظام "بريتون" للمشاكل الداخلية و تصحيح مساره ، إلا أن حرب العملات العالمية و نهاية نظام بريتون باتت حتمية لمن استطاع تقدير مدى خطورة الوضع الإقتصادي . سوق الذهب مثلا سبق له أن دخل مرحلة الإضطراب الناجم عن إمكانية قيام حرب العملات . كبير الإقتصاديين في البنك الدولي اقترب من توقع زمن حدوث انهيار الإقتصاد العالمي عندما تحدث عن الإختلالات الكبرى التي قد تقع في 2014 فرضية أن العالم سيشهد نهاية نظام "بريتون وودز" و نهاية الدولار الأمريكي كعملة جنبا إلى جنب مع الإنهيار المالي الذي لا يمكن تفاديه ، هي فرضية مدعومة بقوة بالتطورات التي حصلت على هامش لقاء مجموعة العشرين في سانت بطرسبرغ بروسيا مؤخرا . خلال لقاء مجموعة العشرين كانت دول البريكس ( البرازيل ، روسيا ، الهند ، الصين و جنوب أفريقيا ) قد قرّرت تمويل بنك تنمية دول البريكس المزمع إنشاؤه بـ100 مليار دولار أمريكي ، و سيبدأ البنك تعاملاته سنة 2014 . قد تختلف التوقعات حول التاريخ الدقيق للإنهيار الإقتصادي لكن لا اختلاف على حتمية حدوثه ، يوما ما خلال هذه السنة أو السنة المقبلة 2015 ، و من المرجح أن يكون قريبا من الموعد الذي ستنخرط فيه كبرى المؤسسات الإعلامية الغربية نفسها في بث التقارير حول بدأ عمل بنك تنمية دول البريكس.
كريستوف ليمان ______

 * التسهيل الكمي هي سياسة نقدية غير تقليدية تستخدمها البنوك المركزية لتنشيط الاقتصاد القومي عندما تصبح السياسة النقدية التقليدية غير فعالة ، حيث يشتري البنك المركزي الأصول المالية لزيادة كمية الأموال المحددة مقدما في الإقتصاد
 ** المصافحة الذهبية هي صفقة بموجبها يضمن مدير مؤسسة ما مكافأة نهاية الخدمة في حال خسر عمله

الأحد، 2 مارس 2014

السلطة ‫الأيديولوجية‬ وتحطيم ‫الإنسان‬: ثلاثة نماذج أدبية من ثلاثة دول شمولية




ثمة خيط رفيع - مثل خيط العنكبوت السّرِّي الذي يتخذه لنفسه، فيسير عليه بحريةٍ تامة - يجمع بين ثلاثة أعمال أدبية مرموقة؛ أحدها قادم من عمق البيئة السعودية، ألا وهو (فسوق) للروائي "عبده خال"، والثاني قادم من إيران، وهو (أن تقرأ لوليتا في طهران) للروائية "آذر نفيسي"، والثالث قادم من الصين، وهو (بجعات برية) للروائية "تونغ تشانغ"[1]. ولو قُدِّرَ لـ"عبده خال" و"تونغ تشانغ" و"آذر نفيسي" أن يلتقوا لضحكوا ضحكة حزينة، تنمّ عن إشكال كارثي عاينوا تفاصيله وعملوا على بلورة معالمه، بطريقة أدبية جميلة وماتعة. إنهم، وباختصار، يرقصون على جثّةٍ ميتة، ويحوّلون هذه الرقصة إلى مشهد جاذب وملئ بالأحاسيس العذبة واللذاذات الغاشمة.
أيام "ماوتسي تونغ" - مؤسّس الصين الحديثة - تمَّ تحويل الصين إلى معمل كبير، أُهْدرت فيه حيوات الناس، وتحت وطأة جملة من القوانين - التي أصبحت مُقدّسة بين ليلة وضحاها- صار هذا (حلالٌ) وهذا (حرام)!
وفي إيران، تحديداً الجمهورية الإسلامية الإيرانية[2] تمَّ اعتبار دولة الشاه دولة كافرة وغارقة في أوحال الرجس والضلال، يجب تطهيرها بجملة من القوانين الجديدة التي تضع كل شيء ضمن إطار (الحلال) أو (الحرام)!
وفي المملكة العربية السعودية، تمّ تأثيم الوجود الإنساني واعتباره خطأ وجوديًا، وتصحيحه يتطلب خضوعًا صارمًا لنظام كهنوتي لا يرى في الحياة إلا (حلالاً) أو (حراماً)!
إن الصيغة المبدئية التي تجمع بين هذه الأنظمة الشمولية، وإن اتخذ أولها طابعًا دنيويًا، والثاني والثالث طابعاً دينياً[3]، هي صيغة بنيوية؛ فالأرضية التي يُبنى عليها البناء الاستعبادي هي أرضية مشتركة، وما اتخاذ القانون الديني أو المدني إلا ذريعة لإسباغ هالة مقدسة تُشَرْعِن للدولة ومنطلقاتها الأيديولوجية، لا سيما فيما يتعلق باستباحة الإنسان، وتعطيل كل ملكاته وحيواته التي لا تتفق والنهج الأيديولوجي الجديد. فالشبكة التحتية لكلّ الأنظمة الشمولية هي شبكة واحدة، وإنْ تجلَّت الصيغ الخارجية في قالبٍ ديني أو دنيوي،؛ فالأهمية القصوى هَهُنا هي التدمير والتخريب، فسواء أكان الله هو الحاضر في الخطاب القانوني تحليلاً أو تحريماً، أو كان الزعيم الأوحد، فإن الغاية واحدة، ألا وهي إحكام السيطرة على الشعوب وقولبتها في قوالب على مقاس السلطة الحاكمة، إذ يصير الحضور اللاهوتي أو الناسوتي حضورًا تدعيميًا للشخص الحاكم؛ فالسند الأخروي أو السند الدنيوي هو لتدعيم سلطة قائمة، وليس لتحقيق عدالة الأرض أو السماء ضمن هذه الممالك الشمولية.
وفي النماذج الروائية التي أتيتُ على ذكرها أعلاه، إدانة واضحة - بما يتجاوز مرحلة الصراخ السياسي التي سادت الأنظمة الشمولية إلى مرحلة الإمتاع الجملي، وخلق نوع من اللذة الهائلة في الذات المُتلقية، حتى وهي تبكي أو تذرف الدمع على مشاهد قاسية ومؤلمة - لهذه السلطة (سواء أكانت سلطة دينية أو دنيوية)، بصفتها سلطة عمودية تُلغي كل الأفقيات والآفاق، التي من شأنها خلق حالة من الإثراء والثراء المعرفي والثقافي، والحضاري بالتالي.
إن "ماوتسي تونغ" حالَ بالتقادم، بعد أن كان مجرّد إنسان تحرّري ومُتعاطف مع قضايا الإنسان الصيني المُسْتلَب، المُضطْهَد، إلى إله دنيوي، خلق أيقونته اللاهوتية –رغم أنه ابن دنيا ولا علاقة له بالآخرة والأنظمة الدينية- وتسامى فوق الحالة البشرية، وصار ينظر إلى الآخرين من علٍ. وفي غمرة الانشغال بالتعالي، صار البقية - ما عدا الذات الماوتسية المُطْلَقة- محض هوامش، لا معنى لوجودها من عدمه، لذا حِيكَت كنزة ألوهته على عجل، وصار واجبًا قوميًا ليس فقط تقديس هذا الإله الدنيوي، إنما - أيضًا - عبادته، وقراءة نصوصه وعباراته بتوقيرٍ شديد.
إنَّ الإله الماوتسي هو حجّة - في الحياة الدنيا - على الإنسان الصيني أو ضدّه، وتلك التعاليم –التعاليم الماوتسية- بديل حصري ووحيد عن كل الآداب والفنون الزائفة التي يمكن أن تأتي من أيّ ذاتٍ أخرى. وتحت وطأة حضور لاهوتي غاشم للإله ماوتسي تونغ، أحرقت أعمال كُتّاب مهمين في الصين، وصُودرت أعمال وأحرقت أخرى، وصار يُنظر بنوعٍ من التحقير لكلّ من ينادي بأية قيمة لأي فنّ أو أدب غير مُدعّم بحجج ماوتسية!
لقد أفاضت "تونغ تشانغ" في وصف التردّي –ضمن قالبٍ روائي بديع و ماتع- الثقافي والإنساني أيام "ماوتسي تونغ"، والأضرار البالغة التي لحقت بعموم الثقافة الصينية أيام حُكمه، لا سيما أيام ما أطلق عليه بــــــــ (الثورة الثقافية).[4]
وبالمثل أفاضت "آذر نفيسي" في وصف المعاناة التي لحقت بعموم الثقافة الإيرانية بعد تولّى الخميني – الذي جاءت به الثورة الإسلامية الإيرانية في العام 1979- سدّة الحكم المُطْلَق في إيران، والضيم الذي لحق الإنسان بشكل عام، وهدر لطاقاته وإمكاناته، بما يتلاءم ورؤية الخميني الذي، وبحسب تعبير "آذر نفيسي"، "أخفقَ في تحقيق حلمه، ودمَّرَّ الواقع"! فالشخص الورع، التقي، حالَ مع مرور الوقت وتسارع الأحداث إلى شخص حالٍّ –ضمن عملية جذب صوفي عنيف- في النص الديني؛ فقد صار الخميني هو النص بعينه، وما يصدر عن الخميني وكأنه صادر عن العلي القدير! وبموجب هذا الواقع الجديد، استحدثت جملة من القوانين والأشرعة التي حُدّدت بموجبها أولويات الحياة؛ فهذا (حلال) يجوز مسّه والاقتراب منه، وذاك (حرام) يمنع منعًا باتًا الاقتراب منه.
إن المفارقة العنيفة في هذا التوجّه، هو أن منظومة الحلال والحرام في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تمثلت - بحسب آذر نفيسي - في شخصية الخميني، ومن ورائه أجهزة الدولة بكاملها، الذي أراد صياغة إيران الحديث وفقاً لرؤى حُلمه، وليس وفقاً للنهج الإلهي؛ فالحلال هو حلال الخميني، والحرام هو حرام الخميني أيضًا، وعلى الشعب أن يقبل بهذه الوقائع كمسلّمات لاهوتية لا تشوبها شائبة، أو أن عذابًا شديدًا سيناله، ليس فقط في هذا العالم إنما في العالَم الآخر أيضًا.[5]
أما في العربية السعودية، فقد تمَّ الاستعانة بشبكة هائلة من الفتاوى، ليس فقط لتمرير الرؤى الأحادية للسلطة الحاكمة، إنما - أيضًا - لتثبيتها ومنحها حضورًا قويًا وهائلًا، يتجاوز الإمكان البشري إلى مرحلة الحماس الإلهي، لذا تصير تعاليم وقوانين السلطة الحاكمة تعاليمًا نازلة من أعلى، ومطبوعة بطابعٍ قُدسي يُحرَّم الخروج عليه. وفي هذا المجال لا يخفى على أحد حجم الإنفاق السعودي على الإعلام الديني الذي يُروِّج لثقافة الحلال والحرام، والتضييق على الناس، وإحالة حياتهم إلى جحيم دنيوي؛ فكلّ من خالف منهجهم (وبالضرورة أن ذلك النهج لا يتفق مع كثير من الرؤى الإسلامية الأخرى، والتي تنطلق من ذات المُسلّمات اللاهوتية التي تنطلق منها العربية السعودية)، مصيره جحيمان: جحيم في الدنيا، وجحيم في الآخرة.
وإذا كان "عبده خال" قد أشارَ ضمنًا - عبر سرد روائي جميل - إلى احتفاظ عامل المقبرة بجثة الفتاة الميتة، فذاك دليل على الوضع الكارثي الذي وصل إليه النظام الشمولي في العربية السعودية؛ فعامل المقبرة هو النظام السادي، والجثّة الميتة هي جثّة المجتمع السعودي المُتفسّخ الماسوشي. فالعلاقة التبادلية بين الحريص على موت الناس، والناس المُقبلون بشغفٍ على الموت؛ هي علاقة (ضد - حياة)، وغير قادرة على إعمار الأرض، والسير قدما ناحية الأمام ولو قيد أنملة، فهي جامدة ومتجمدة ومُجمّدة لحيوات الناس، والناس في ذات الوقت مشاركون في هذه المذبحة الكبرى، من خلال ركونهم وخضوعهم لثقافة الجلاد؛ القبَّار، الحريص على موت الناس، ومنفعلون –انفعالاً حماسياً بصفته يحمل عصًى لاهوتية- بأقانيمه وتمظهراته، ومتفاعلون –تفاعلًا اعتباطيًا على أرض الواقع- مع تجليات ثقافته المميتة، من خلال الاندماج في مساراتها الجمعية، والترويج لها بصفتها الحلّ الأول، والأخير لعموم المشاكل البشرية.[6]
وعليه، فقد أثمرت تلك النماذج الأدبية في مقاربة الوحش الكامن والظاهر في تلك الأنظمة الشمولية، والعامل ليل نهار على قضم حيوات الناس وتدميرها، وإحالتها إلى سباتٍ أبدي دائم. وإذا كان لتلك النماذج أن تُقارِب باطنيًا، فإنها تُدين في كثير من الأحيان ظاهريًا، وإنْ أبقت على مجالٍ للتأويل. وما هذه الإدانة إلا من باب الانتباه إلى الخطر الكبير الذي يتهدّد الإنسان، ليس فقط في ضميره الأخلاقي، إنما أيضًا في عقله النقدي، بصفته أصبح غير قادر على التفاعل مع الحياة بكل ثرائها، فهو محجور عليه ضمن أُطُر تابوتية أُعدَّت سلفًا، وها هو مدعو للشراكة في تهديم صنميتها، والمساهمة الفاعلة في بلورة نسق جديد، من شأنه أن يجعل الإنسان أكثر تفاعلًا مع مقتنيات هذا الوجود.
إنَّ اللذة الاغتباطية التي يمكن أن يُحدثها علم أدبي ممتاز، أثناء ممارسة فعل القراءة أولاً، ومن ثمَّ أثناء الاشتغال تأويلاً عليه، لمن له الأهمية بمكان في دفع الإمكان البشري ناحية أفق تفتّحي خارجي جديد. فالتطوّر الجمالي الحاصل في الداخل، يقينًا سَيُفضي إلى تقدّم وازدهار مثمر.

_____________________________________________________________
[1]- معظم هذه الروايات وغيرها، ممنوع تداولها في تلك الدول، حتى أن رواية مثل رواية (بجعات برية) – وبحسب مؤلفاتها- كانت تدخل تهريباً إلى الصين، حتى بعد انتقال الصين إلى مرحلة جديدة من الاندماج العالمي.
[2]- من المفارقات أن ثمة قوتين تتنازعان السلطة في إيران، واحدة دينية ترأسها "الخميني" مع بدايات الثورة في العام 1979، ومن بعده "علي خمنئي". صحيح أن رئيس الجمهورية يتغير بانتظام، لكن رأس السلطة الممثل للثورة وطابعها الديني لا يتغير حتى يموت.
[3]- مع ملاحظة أن ثمة عداء خفي وظاهر بين العربية السعودية وإيران، وإن كانتا تنطلقان في بلورة رؤاهما من ذات الأسس الدينية؛ فالأولى تعتبر نفسها حارسة لمصالح أهل السنة والجماعة، والثانية تعتبر نفسها حارسة لمصالح الشيعة، مع أن التنكيل والترويع في كليهما يطال الكلّ!
[4]- هناك أمثلة روائية عديدة أخرى، منها: (ورقة في الرياح القارسة) للروائية "تنغ هسنغ يي"، ورواية (بلزاك والخياطة الصينية الصغيرة) للروائي "دي سيجي".
[5]- مثلاً، يكشف تعامل السلطة الدينية مع الروائي "سلمان رشدي" عن وضع الأدب في عمومه - بصرف النظر عن منطلقات الكاتب أو التأويلات التي يمكن أن تفضي إليها أعماله - في صندوق أُعدَّ سلفاً، ليكون كل شيء على مقاس الثورة الإسلامية في إيران.
[6]- من النماذج الروائية السعودية، والتي عملت على نقد الحالة الاجتماعية والدينية: رواية (الآخرون) لـ "صبا الحرز" و(ملامح) لـ "زينب حفني" و (ترمي بشرر) لـ "عبد خال و ثلاثية (الكراديب/ العدامة/ الشميسي) لـ "تركي الحمد". 

" معاذ بني عامر"

الثلاثاء، 18 فبراير 2014

هو و الأيّام



هي كانت له بسمة أيّامٌه وردة مزينة جنينة أحلامٌه , بين شعرها يمد راسٌه و يخبِّي و جايعٌه و مرارة أيّامٌه, كانت له كل شيء حلٌو في حياتٌه كانت له الظلام اللي يضوِي ظلام طريقٌه و يهدي السبيل لأشعارٌه يٌخرِج من صدرٌه يعبّر على أمرارٌه كانت له حِبر أقلامٌه , قبلاتها كانت دواء شفايف مرّرها وقت أهلٌه عليه فيه جارٌو حضنها كان له مهرب من واقع مرّ أصر على نكرانٌه كان له بير أسرارٌه و كان يستنى باش يجيه النوم في حضٌن طال إنتظارٌه كانت باش تكون أمّ صغارٌه كانت له الهواء اللي يتنفسٌه كانت لٌه أكثر من كل شيء في حياتٌه , لكن في يوم صارحاتٌه بحقيقة مرة صدماتٌه خلاّته يعاود يوزِّع أوراق حياتٌه و حساباتٌه كي لقى غيرٌو هرب بقلب ماهوش هو اللّي إختارٌه لكن القدر ساقه لباب دارٌه بأقدارٌه و من يومها و هو تايه في ليل مظلم ثقلٌه واقع مرّ حطّ على قلبٌه بكلّ أوزارٌه



الأحد، 2 فبراير 2014

- المثقفون والسلطة: حوار بين ميشيل فوكو و جيل دولوز.

- 0 -

- 1 -

فوكو: قال لي أحد المأويين, افهم جيدا لماذا سارتر يناضل معنا، ولماذا يمارس السياسة وبأي معنى واتجاه يقوم بذلك، وأنت إلى حد ما، افهم ذلك قليلاً لأنك طرحت دائما مشكلة الحجز. ولكني يا دولوز لا افهم ذلك. حقيقة, هذا السؤال فاجأني كثيرا، لان الأمر بالنسبة لي جداً واضح.
دولوز: لأنه ربما بدأنا نعيش بطريقة جديدة علاقات النظرية والممارسة. كنا مرة نعتقد أو نرى وندرك الممارسة بوصفها تطبيق للنظرية، بوصفها نتيجة، ومرة على العكس كمقدمة للنظرية، أو بوصفها هي ذاتها مبدعة لشكل من النظرية القادمة. كنا، بشكل عام ندرك علاقتهما في شكل من العملية الكلية أو من الصيرورة الشاملة، بمعنى أو بآخر. ربما بالنسبة لنا، فان المسالة أصبحت مطروحة بشكل مغاير. علاقات النظرية ـ الممارسة هي علاقات مجزأة ومقسمة اكثر. من جهة، إن النظرية هي دائما نظرية محلية، متعلقة بميدان محدد، ويمكن أن يكون لها تطبيق في ميدان آخر، بعيدا نسبيا. العلاقة مع التطبيق ليست أبدا علاقة تشابه. ومن جهة أخرى، فانه ما تباشر عملها في ميدانها الخاص، فإنها تواجه مجموعة من العقبات، من الجدران، من الصدمات التي تجعل من الضروري أن يتم رفعها بنوع ونمط آخر من الخطاب “هذا النوع الآخر هو الذي يؤدي بالفعل إلى ميدان مغاير أو مختلف”. الممارسة مجموعة من البدائل أو التنأوبات(3) لمسالة نظرية أو أخرى، والنظرية هي كذلك نوع من التنأوب بين ممارسة وممارسة أخرى. لا يمكن لأية نظرية أن تتطور أو تنمو من دون أن تواجه أو تقابل نوعا من الجدار أو العقبة، وعلى الممارسة خرق أو شق الجدار أو تجأوز العقبة. مثلا، أنت بدأت بتحليلات نظرية للعزل، كالعزل النفسي في القرن التاسع عشر في المجتمع الرأسمالي. ثم توصلت إلى ضرورة أن الأشخاص المعزولين عليهم أن يتحدثوا بأنفسهم، أن يعملوا منأوبة أو يقوموا بمنأوبة ” أو بالعكس أنت الذي كنت منأوبا لهم” وهؤلاء الأشخاص يوجدون في السجن، انهم في السجن. وعندما نظمت فريق الاستعلامات عن السجون(4)، كان يقوم على قاعدة، وهي إقامة الشروط أو الظروف التي تمكن السجناء أنفسهم من التحدث عن أنفسهم. وسيكون من الخطأ، كما يريد أن يقول المأوي، بانك انتقلت إلى الممارسة لتطبق نظرياتك. ليس هنالك لا تطبيق ولا مشروع إصلاح ولا بحث بالمعنى التقليدي. هنالك شيء مغاير تماما أو كلية: هنالك نظام من التنأويات في أجزاء وأقسام متعددة من النظرية والممارسة على السواء. بالنسبة لنا، لقد كف المنظر، أن يكون موضوعا أو وعيا ممثلا أو تمثيليا. والذين يناضلون ويتحركون ويمارسون أو يعملون لم يعودوا ممثلين، لان الحزب والنقابة هي التي تدعي بدورها أنها تمثل وعيهم. من يتحدث أو يتكلم ومن يفعل أو يتحرك ومن يعمل ؟ انه دائما تعدد وكثرة، حتى داخل الشخص الذي يتحدث أو يفعل. نحن كلنا أفواج أو فرق التدخل أو فرق التصادم والصدام. ليس هنالك تمثيل، ليس هنالك إلا الفعل، إلا فعل النظرية، فعل الممارسة في علاقات من التنأويات أو الشبكات.
فوكو: يبدو لي أن تأسيس المثقف كان تقليديا يبدأ من شيئين: وضعيته أو موقعه في المجتمع البورجوازي، في نظام الإنتاج الرأسمالي، في الأيديولوجية التي ينتجها أو يفرضها “أن يكون مستغلا، بائسا، مرفوضا، ملعونا، متهم بالبلبلة ، باللاخلاقية ..الخ” وخطابه الذي يفصح عن بعض الحقائق ويكتشف علاقات سياسية غير مدركة. هذان الشكلان من التسييس ليسا غريبين الواحد عن الآخر، ولكن لا يلتقيان بالقوة. لقد كان هنالك نوع من المثقف”الملعون أو المرفوض” ونوع من المثقف “الاشتراكي”. هذان الشكلان يتداخلان ويختلطان بسهولة ويسر في بعض الأوقات والفترات والحالات من ردود الفعل العنيفة من قبل السلطة، مثل ما حدث بعد سنة 1848 و بعد كومونة باريس و بعد 1940: حيث اصبح المثقف مرفوضا ومضطهدا في الوقت الذي ظهرت فيه “الأشياء” في “حقيقتها”في اللحظة أو في الوقت الذي لا يجب فيه القول، إن الملك كان عاريا. المثقف كان يقول الحقيقة للذين لم يكونوا يرونها وباسم الذين لا يستطيعون قولها انه: الوعي والفصاحة.والحال فان ما اكتشفه المثقفون منذ الحالة الجديدة (5)، أو منذ فترة، هو أن الجماهير لم تعد في حاجة إليهم، لتعرف، لان الجماهير تعرف تماما، و بوضوح، وحتى افضل منهم، وتقول ذلك بقوة. ولكنه يوجد نظام من السلطة يعيق ويمنع ويعرقل هذا الخطاب وهذه المعرفة. سلطة ليست فقط في الهيئات العليا للرقابة ولكنه في شبكة المجتمع بشكل عميق وحاذق ودقيق.و المثقفون أنفسهم يشكلون جزءا من نظام هذه السلطة. و دور المثقف ليس أن يتموقع “هناك إلى الأمام قليلا أو إلى الجانب شيئا ما” من اجل أن يقول الحقيقة الخرساء، عليه بالأحرى أن يصارع ويناضل ضد أشكال السلطة حيث يكون، في نفس الوقت، موضوعا وأداة: في نظام “المعرفة” و “الحقيقة ” في “الوعي” و في “الخطاب” . بهذا المعنى فان النظرية لا تعبر عن شيء، ولا تترجم شيئا، ولا تمارس تطبيقا معينا، إنها ممارسة. ولكنها ممارسة محلية وجهوية، وكما تقول: ليست كلية . الصراع أو النضال ضد السلطة، النضال من اجل إظهارها، هنالك حيث لا ترى و حيث تكون اكثر مكرا ودهاء. صراع ليس من اجل “استرجاع الوعي “ـ “فمنذ زمن بعيد أو فترة بعيدة لم يعد الوعي بوصفه معرفة مكتسبة من قبل الجماهير وبوصفه موضوعا، من اهتمام البورجوازية”ـ من اجل إسقاط واخذ السلطة، مع، جميع الذين يصارعون من اجلها وليس بمسافة أو عن قرب من اجل توضيحها “النظرية “هي النظام المحلي أو الجهوي لهذا الصراع.
دولوز: هذه هي النظرية بالتدقيق، إنها مثل علبة الأدوات. لا علاقة لها بالدال . يجب أن تستعمل وتوظف، وليست لذاتها. وإذا لم يستعملها أحد ابتداء من المنظر نفسه، الذي لا يصبح بعد ذلك منظرا، أو الذي يتوقف عن أن يكون منظرا، فانه لا قيمة لها أو أن الوقت لم يحن بعد لتوظيفها. نحن لا نعود أو نرجع إلى نظرية، وإنما نقيم نظريات أخرى، لدينا نظريات أخرى سنقيمها أو اننا سنصنع نظريات أخرى. انه لمن الغريب ان يكون كاتبا، مثل بر وست(6)، والذي يظهر كمثقف خالص، هو الذي يقول بوضوح تام: تعاملوا مع كتبي مثل النظرات المصوبة إلى الخارج فإذا لم تساعدكم استعملوا نظرات اخرى، عليكم أن تجدوا بأنفسكم أجهزتكم والتي هي بالقوة أجهزة معركة. النظرية لاتعمم و انما تتعدد و لقد تعددت. إن السلطة هي التي تجري تعميمات، و أنت تقول بالضبط وتدقيقا: النظرية بالضرورة ضد السلطة.[ وما أن تشرع النظرية في العمل في مجال من المجالات إلا وتعمل على التغيير و تكون هنالك حاجة إلى مجال آخر لتغييره.]من اجل هذا، فان مفهوم الإصلاح هو مفهوم غبي وخبيث. فهو اما، قد اعد من قبل أشخاص يزعمون انهم ممثلون، ويقومون بمهنة التحدث والكلام للآخرين، باسم الآخرين، وهذه مهمة السلطة أو من تدابير السلطة، وهو نوع من توزيع السلطة الذي يسند و يدعم و يقوى بقمع واسع. أو انه إصلاح مطلوب، وعند ذلك لم يعد اصلاحا، و انما حركة ثورية و التي هي في عمقها ذات طبيعة مؤقتة، ومصرة على إعادة النظر في السلطة في كليتها ومراتبيتها. ومن البديهي انه في السجون فان اقل وابسط مطلب للسجناء يكفي لاسقاط وانهيار” اصلاح بلوفان الكاذب” (7). واذا توصل الاطفال الصغار، إلى توصيل وتبليغ مطالبهم أو اسماع احتجاجاتهم في الحضانات بل وحتى اسئلتهم، فان ذلك يكفي لاحداث انفجار في كل منظومة التعليم. في الحقيقة فان هذا النظام الذي نعيش فيه، لايستطيع ان يحتمل أي شيء. من هنا هشاشته الجذرية، في كل نقطة ومستوى، وفي نفس الوقت، يوضح ويبين قمعه الشامل. في نظري، لقد كنت أول من علمنا شيئا اساسيا، في كتبك وفي مجال الممارسة انه: دناءة التحدث من اجل الآخرين. اننا نسخر من التمثيل، اننا نقول ان التمثيل قد انتهى، ولكننا لانستنتج من هذه المحادثة “النظرية” بان النظرية تفرض على الاشخاص المعنيين بان يتحدثوا عمليا، على حسابهم.
فوكو: وعندما بدأ السجناء يتحدثون كانوا يملكون نظرية حول السجن وحول العقوبة وحول القضاء أو العدالة. هذا النوع من الخطاب المناهض للسلطة، هذا الخطاب المضاد الذي يحمله السجناء، أو الذين نسميهم بالمنحرفين، هو ما يهم أو ما يدخل في الحسبان، وليس النظرية حول الجنوح. مشكلة السجن هذه مشكلة محلية وهامشية، لأنه لا يسجن في فرنسا اكثر من مائة آلف” 100.000” شخص في السنة. إلا أن هذا المشكل الهامشي يزعزع الناس. لقد فوجئت بالعدد الكبير الذي يهتم بمشكلة السجن والذين لم يكونوا في السجن. وفوجئت بإعداد الناس التي لم تكن معنية بالاستماع إلى خطاب حول السجن وكيف انهم يسمعونه في النهاية وكيف يشرحونه؟ اليس، بشكل عام، نظام العقوبات هو الشكل حيث السلطة كسلطة تظهر، بصورة جلية و واضحة؟ وضع شخص في السجن، الاحتفاظ به في السجن، منعه من الاكل، من التدفئة، منعه من الخروج ومن ممارسة الجنس …الخ هنا بالتاكيد يظهر الطابع الاكثر هذيانا للسلطة الذي يمكن تصوره. كنت أتحدث يوما مع امرأة كانت في السجن وكانت تقول لي : “عندما أفكر أنا صاحبة الأربعين سنة ” كنت معاقبة يوميا بالخبز الحافي الجاف”ما يثير في هذه الحادثة أو القصة ليس فقط سخف ممارسة السلطة، ولكن الوقاحة التي بها تمارس، وفي شكلها الأكثر عتاقة وسخفا وصبيانية. اختصار شخص أو إحالته أو رده وتحويله إلى مجرد الخبز والماء أو الآكل والشرب، وعلى أية حال فانهم يعلموننا هذا ونحن صغار. السجن هو المكان والوسط الوحيد الذي تظهر فيه السلطة في شكلها العاري. في بعدها الأكثر تجاوزا، وتبرر نفسها بوصفها سلطة أخلاقية.” لي الحق في العقوبة بما أنكم تعرفون انه شنيع وممنوع أن تسرق أو أن تقتل …”. هذا ما هو رائع في السجون، لأنه للمرة الأولى السلطة لا تتخفى ولا تتستر ولا تتقنع وانما تظهر بوصفها طغيان شاملا و منتشرا في أدق التفاصيل، طغيانا وقحا، في نفس الوقت، وخاصة انه “مبرر” تماما، مادام يستطيع أن يتشكل داخل اخلاق تؤطر عمله وممارسته. طغيانه البهيمي يظهر بوصفه هيمنة هادئة للخير على الشر والنظام على الفوضى.
دولوز: والعكس صحيح أيضا. ليس فقط السجناء هم وحدهم الذين يعاملون كالأطفال، ولكن الأطفال كذلك يعاملون كالسجناء. الأطفال يخضعون لطفولة ليست لهم. بهذا المعنى فان المدارس شبيهة بالسجون، والمصانع شبيهة اكثر بالسجون. يكفي ان ترى الدخول إلى مصانع “رينو”. أو في أماكن أخرى. ثلاث رخصات لقضاء الحاجة في اليوم. لقد وجدت نصا ” لـجيرمي بنتام”(8) في القرن الثامن عشر والذي يقترح فيه إصلاحا للسجون: وباسم هذا الاصطلاح الأعلى، اقام نظاما دائريا، وقد اصبح هذا السجن المجدد نموذجا، بحيث مررناه، بشكل غير محسوس، إلى المدرسة وإلى الورشة، ومن الورشة إلى السجن وبالعكس. هذا هو جوهر الاصلاحية، والتصوير المصلح. بالعكس عندما بدأ الناس في الحديث والفعل أو الحركة باسمهم، انهم لا يعارضون تمثيلا مقلوبا أو معاكسا لتمثيل آخر، انهم لا يعارضون تمثيلا في مقابل التمثيل الخاطئ للسلطة. على سبيل المثال، أنى أتتذكر انك كنت تقول انه ليس هنالك عدالة شعبية ضد العدالة ، إنها تدور أو تحدث أو تجرى على مستوى آخر.
فوكو: اعتقد انه نتيجة للكره، كان للشعب العدالة والقضاة والمحكمة والسجون ، لا يجب ان تكون لدينا فقط فكرة اخرى عن عدالة افضل، أواكثر عدالة، ولكن يجب ان يكون لنا، أولا وقبل كل شيء، ادراك النقطة الخاصة حيث السلطة تمارس في علاقة وارتباط مع الشعب. الصراع ضد العدالة هو صراع ضد السلطة، ولا اعتقد انه صراع ضد الظلم أو اللاعدل، أو ضد ظلم العدالة، أو من اجل السير الحسن للعدالة. انه لمدعاة إلى الانتباه بانه وفي كل مرة تكون فيه مظاهرات وتمرد وعصيان،تكون المؤسسة القضائية هي المستهدفة، في نفس الوقت وبنفس المستوى مع المؤسسة الضريبية، ثم الجيش وباقي اشكال السلطة. فرضيتي، ولكن ليست اكثر من فرضية ، وهي ان المحاكم الشعبية ، على سبيل المثال في وقت الثورة، كانت وسيلة للبورجوازية الصغيرة المتحالفة مع الجماهير للاستعادة والالتحاق بالحركة المناضلة المصارعة ضد السلطة. ولكي تستعيد وتلتحق اقترحت هذا النظام من المحاكم التي تستعيد وتسترجع أو تستند بالاحرى إلى هذه العدالة التي يمكن ان تكون عادلة و إلى هذا القاضي الذي يمكن ان يصدر حكما عادلا. ان شكل المحكمة ذاته ينتمي إلى ايديولوجية العدالة التي هي ايديولوجية البورجوازية.
دولوز: اذا اخذنا بعين الاعتبار الوضع الحال، فان السلطة لها رؤية شاملة وكلية. اريد ان اقول ان جميع اشكال القمع الحالية، المتعددة، يتم تعميمها بسهولة من وجهة نظر السلطة: القمع العنصري ضد المهاجرين، القمع في المصانع، القمع في التعليم، القمع ضد الشباب بشكل عام. لا يجب البحث فقط عن وحدة هذه الاشكال في رد الفعل لاحداث مايو 68 ، ولكن في استعداد وتنظيم مدبر لمستقبلنا القريب. الراسمالية الفرنسية في حاجة كبيرة إلى “احتياط” في البطالة، لتتخلي عن القناع الليبرالي و الابوي للعمل الكلي أو العمل للجميع. من وجهة النظر هذه تجد وحدتها، في : التقليل من الهجرة، عندما يقال ان نوكل للمهاجرين الاعمال الصعبة والمشينة ـ القمع في المصانع مادام الامر يقتضي اعادة اعطاء للفرنسيين”ذوق” للعمل يكون صعبا اكثر فاكثر ـ النضال ضد الشباب والقمع في التعليم، لان القمع البوليسي هو، وفي اكثر من وقت مضى، قمع ناشط، و لان حاجتنا قليلة للشباب على مستوى سوق العمل. كل انواع الحرف ستصبح تؤدي وظائف بوليسية محددة اكثر فاكثر : اساتذة، محللون نفسانيون، مربون بجميع اشكالهم، الخ. هنالك شيء اعلنت عليه منذ مدة طويلة، وهي عدم قدرتنا على اعادة الانتاج: تقوية أو تعزيز جميع بنيات العزل.اذن ، في مواجهة هذه السياسة الشاملة والعامة للسلطة، نقوم بمقأومات محلية، بنار مضادة ، بدفاعات فاعلة، وفي بعض الاحيان بمقأومات وقائية. اننا لا نعمم ما لا يعمم الا من جانب السلطة. اننا لا نستطيع ان نعمم من جهتنا من جانبنا اذا رممنا اشكال التمثيل المركزي و المراتبي. في المقابل، ما يجب علينا ان نقوم به، هو ان نصل إلى اقامة روابط جانبية ، نظام كامل من الشبكات، قواعد شعبية أو جماهيرية. وهذا ما هو صعب. وعلى اية حال، فان الواقع بالنسبة لنا لا يمر اطلاقا عبر السياسة بالمعنى التقليدي للكفاءة وتوزيع السلطة، وللهيئات التي تسمى هيئات تمثيلية، في البلديات والنقابات. الواقع هو ما يحدث فعليا اليوم في المصانع والمدارس وفي الثكنات والسجون ومراكز الشرطة. انه لجيد ان تتضمن أو ان تحمل الحركة نوعا من المعلومات المغايرة لمعلومات الصحف “ مثل نوع المعلومات التي تقدمها وكالة انباء التحرير”.
فوكو: هذه الصعوبة، وحيرتنا في ايجاد الاشكال المطابقة للنضال، الا تعود ايضا إلى ما نجهله كذلك عن ماهية السلطة ؟ فقبل كل شيء كان يجب انتظار القرن التاسع عشر لنعرف ما هو الاستغلال، ولكن من الممكن اننا لانعرف بعد ما هي السلطة. وماركس وفرويد ربما لا يكفيان لمساعدتنا على معرفة هذا الشيء الغامض جدا، هذا الشيء المريء وغير المريء في نفس الوقت، الحاضر والمستتر، المستثمر في جميع المجالات، والذي نسميه السلطة. نظرية الدولة ، والتحليل التقليدي لاجهزة الدولة لا تستوفي من دون شك مجال ممارسة ووظيفة السلطة. انها المجهول الاكبر في الوقت الحاضر: من يمارس السلطة ؟ واين يمارسها ؟ حاليا، نعرف تقريبا من يستغل، واين يذهب الربح، ومن يتصرف فيه، ويعيد استثماره، … اما السلطة فاننا نعرف بان الحكام ليسوا هم الذين يملكونها. ولكن مفهوم “ الطبقة الحاكمة “ ليست لا واضحة ولا مشكلة ومبنية جيدا. “الهيمنة”، “القيادة”، “الحكم ” ، “فريق الحكم” ، “جهاز الدولة”..الخ، هنالك لعبة من المفاهيم التي تتطلب التحليل. وفي نفس الوقت و بنفس المعنى ، يجب معرفة إلى أي حد تمارس السلطة، باي منأوبة، وإلى اية هيئة، تكون في الغالب ذات مراتبية طفيفة، ومفتشة ومراقبة ومانعة وضاغطة ومرغمة. ففي أي مكان تكون فيه السلطة، السلطة تمارس. لم يتحدث عنها احد ولم يكن حاملها، بالرغم من انها تمارس دائما في اتجاه ما، مع البعض في جانب ومع البعض في اتجاه آخر. لا نعرف من يملكها بالضبط، ولكننا نعرف من لا يملكها. انه بقراءة كتبك “ منذ “نيتشه ” إلى ما أتوقعه واستشعره من “الرأسمالية والفصام Capitalisme et Schizophrénie” “(9) كانت ذات اهمية خاصة بالنسبة لي ، لانه بدا لي انك قد ذهبت بعيدا في طرح هذا المشكل: تحت هذا الموضوع القديم للمعنى والدال والمدلول، الخ و أخيراً مسالة السلطة، ولا تساوي السلطة، وصراعها. كل مقاومة تتطور أو تنمو حول مركز خاص في السلطة. “ من هذه المراكز الصغيرة التي لا تحصى حارس عمارة، مدير سجن، قاضي، مسؤول نقابي، محرر جريدة”. وبتعيين وتحديد المراكز، ورفض الابلاغ عنها والتحدث عنها في الاماكن العمومية، انها مقأومة، لانه ليس هنالك احد على وعي بها بعد، ولكن لان اخذ الكلمة حول الموضوع أو التحدث عن الموضوع، و إرغام الشبكة الإعلامية المؤسساتية، على التسمية، على قول الفعل، على التصريح بالذي قام بالفعل، وماذا فعل، وتعيين الهدف، هو العودة الأولى للسلطة، و الخطوة الأولى لمقاومات أو نضالات أخرى ضد السلطة. إن خطابات مثل تلك الخطابات الخاصة بالمعتقلين أو أطباء السجون، على سبيل المثال، إنها مقاومات و نضالات، لأنها تحجز ولو للحظة سلطة الحديث عن السجن، و لأنها محتكرة فقط من الإدارة ومعاونوها ومساعدوها الاصلاحيون. خطاب المقاومة لا يتعارض مع اللاوعي أو اللاشعور، انه يتعارض مع السري والخفي. هنا يمكن ان تكون اكثر بقليل ولكنها قد تكون اكثر بكثير؟ هنالك سلسلة كاملة من الملابسات فيما يتعلق بـ “الخفي” أو “السري” و”المكبوت” و “ غير المقال” الذي يسمح “ بتحليل نفسي” بسعر هابط أو بقيمة هابطة عما سيكون موضوع المقاومة. من الممكن ان يكون السري اصعب على الكشف من اللاشعور. أن الموضوعين اللذين نلتقي بهما كذلك باستمرار في الماضي : “الكتابة، هي المكبوت” و “ والكتابة لها الحق الكامل في التدمير” يبدو لي انهما تخونان عددا من العمليات التي يجب رفضها بشدة.
دولوز: بالنسبة لهذه المشكلة التي تطرحها : فإننا نرى تماما من يستغل من، ومن يربح، ومن يحكم، لكن السلطة مازالت هذا الشيء الأكثر انتشارا ـ إني اقدم الفرضية التالية: حتى الماركسية أو وخاصة الماركسية أو بالأحرى حتى الماركسية قد حددت المشكلة بمفاهيم المصلحة “السلطة تحكمها طبقة مهيمنة تحدد بمصالحها”. ولكن فجأة نصطدم بهذا السؤال: كيف يحدث وان أناسا ليس لهم مصلحة يتبعون ويرتبطون بشدة بالسلطة، ويستجدون قطعة منها ؟ ربما يكون مفهوم الاستثمار بمعناه الاقتصادي واللاشعوري، أما الربح فليست هي الكلمة الاخيرة، لان هنالك استثمارات الرغبة الذي يشرح أو يفسر أننا نستطيع تلبية رغبتنا، من دون أن نكون ضد مصالحنا، لان المصلحة تتبع دائما الرغبة … يجب القبول بصرخة “رايش Reich “(10) : لا، أن الجماهير لم تخدع، لقد رغبت في الفاشية في لحظة ما؟ هنالك استثمارات الرغبة التي تنمط أو تنمذج السلطة وتنشرها، والتي تجعل من السلطة توجد على مستوى الشرطي والوزير ، وليس هنالك اختلاف مطلق في طبيعة السلطة التي يمارسها الشرطي والسلطة التي يمارسها الوزير. ان طبيعة استثمارات الرغبة على الجسد الاجتماعي هي التي تفسر لماذا هنالك أحزاب ونقابات، التي لها والتي كان يجب ان يكون لها استثمارات ثورية باسم مصالح الطبقة ، يمكن ان يكون لها استثمارات إصلاحية أو رجعية خالصة على مستوى الرغبة.
فوكو: كما تقول، العلاقات بين الرغبة والسلطة والمصلحة أو الربح اكثر تعقيدا مما نتصوره في العادة، ولكن ليس بالضرورة إن الذين يمارسون السلطة لهم مصلحة في ممارستها، وان الذين لا يمارسونها ليس لهم مصلحة فيها، والرغبة في السلطة تلعب بين السلطة والمصلحة لعبة ما تزال جد خاصة. يحدث أن الجماهير، في زمن الفاشية ترغب في أن أحداً يمارس السلطة، يمارس السلطة من دون أن يختلط معها رغم ذلك، مادامت السلطة تمارس عليهم حتى إفنائهم أو موتهم أو حتى التضحية بهم وحتى قتلهم تبقى مع ذلك راغبة في هذه السلطة، وترغب في أن تمارس عليها هذه السلطة. لعبة الرغبة والسلطة والمصلحة مازالت لم تعرف بعد. لقد كان يجب ان يكون هنالك وقت كبير لمعرفة ما هو الاستغلال. والرغبة كانت كذلك مسالة طويلة أو قضية طويلة. ومن الممكن ان يكون الآن النضالات القائمة، و كذلك هذه النظريات المحلية، والجهوية، والانفصالية التي هي في حالة التكون في هذه النضالات التي ترتبط بها بالرغبة، وستكون بداية لاكتشاف الطريقة التي تمارس بها السلطة.
دلوز: إذن سأعود إلى السؤال: الحركة الثورية الحالية لها مواقع متعددة، وليس هذا ضعف أو نقص، بما أن التعميم ينتمي اكثر إلى السلطة وإلى رد الفعل. على سبيل المثال الفيتنام، أنها رد فعل محلي رائع أو مقاومة محلية رائعة. ولكن كيف التعرف على الشبكات و الترابطات العرضية بين هذه النقاط الفاعلة المنفصلة، من بلد إلى آخر أو داخل بلد بعينه؟
فوكو: هذه الانفصالية الجغرافية التي تتحدث عنها تعني ربما هذا: في الوقت الذي نناضل فيه ضد الاستغلال، فان البروليتاريا، ليست هي التي تناضل فقط ولكن هي التي تحدد الأهداف والطرق والأماكن والوسائل، والتحالف مع البروليتاريا يعني الانضمام إلى مواقفها وإلى أيديولوجيتها واعتماد أسباب نضالها أو مبررات نضالها. أي الامتزاج بها والذوبان فيها. ولكن إذا ما كانت المعركة ضد السلطة، فان كل الذين تمارس عليهم السلطة بوصفها تجاوز وكل الذين يعترفون بها كشيء لا يطاق، يمكن أن يناضلوا حيث يوجدون وانطلاقا من نشاطهم “ أو عدم نشاطهم” الخاص. وان يعلنوا عن هذا النضال الذي هو نضالهم، والذي يعرفون تماما اهدافه، ويستطيعون تحديد طرقه، ويدخلون في الصيرورة الثورية. يدخلون بوصفهم بطبيعة الحال حلفاء البروليتاريا، بما ان السلطة التي تمارس كما تمارس أو بالطريقة التي تمارس بها، من اجل الحفاظ على الاستغلال الرأسمالي. إنها تخدم فعليا القضية الثورية البروليتارية عندما تناضل حيث يمارس القهر ضدهم. النساء والمساجين والجنود في الوحدات، والمرضى في المستشفيات، والمثليون ، كلهم قد باشروا في هذا الوقت أو المرحلة أو في هذه اللحظات نضالات خاصة ضد الشكل الخاص للسلطة كالإكراه، والرقابة التي تمارس ضدهم. مثل هذه النضالات في الوقت الحالي تشكل جزءا من الحركة الثورية، بشرط أن تكون راديكالية أو جذرية، ومن دون تسوية أو إصلاح ومن دون محأولة تغيير شكلي للسلطة. وهذه الحركات مرتبطة بالحركة الثورية للبروليتاريا ذاتها في حالة مقاومتها لمختلف أشكال الرقابة والإكراه التي تقوم بها السلطة. بمعنى أن شمولية وعمومية النضال و الصراع لا تكون بالتأكيد في هذا الشكل من الكلية والتعميم الذي تحدثت عنه قبل قليل، هذا التعميم النظري، في شكل “الحقيقة”. ما يجعل من النضال عاما وشاملا وكليا، هو نظام السلطة ذاته، كل أشكال ممارسة وتطبيق السلطة.
دلوز: وعندما لانستطيع ان نصل أو نحقق أو نلمس أي نقطة من التطبيق مهما كانت، من دون ان نكون في مواجهة هذا المجموع المنتشر، فاننا سنكون مجبرين بالاطاحة بالسلطة، انطلاقا من ابسط واصغر المطالب مهما كانت. وكل دفاع أو هجوم ثوري مؤقت ينضم بهذه الصفة إلى النضال العمالي.
ميشيل فوكو و جيل دلوز
في 4 مارس 1972.

الخميس، 26 ديسمبر 2013

الى كل متخاذل


الى كل متخاذل 

أرسل له في مناسبة قدوم العام الجديد معايدة...

أيها المتخاذلين الجبناء من البشر 

كل عام وأنتم أتمنى لكم في يوم من الأيام أن تشبهون البشر ...

يا عربّ مات فيهم الشرف واحتضرّ

يا عربّ صرخ فيهم الوطن حتى كفرّ 

يا عرب تاجروا بربهم ودينهم في ليلة القدرّ

يا عرب صارت الخيانة عندهم وجهة نظرّ

كل عام وأنتم أتمنى لكم في يوم من الأيام ان تكونون من البشر ..

يا وطناً سرقوا منه الأمنّ والأمان 

يا أرضاً بصقوا عليها في أقلّ من ثوان

يا ديناً جديداً أخترعوه لم نعرفه في الأديان 

يا شعباً انقسمّ على نفسه بين إنسان وحيوان

كل عام وأنتم أتمنى أن تكونون من البشر 

يا من صرتّم مضحكّة للبشرية 

ووصمّة عارّ على جبين الانسانية

رفعتمّ كلّ شعارات العدالة والحرية

وأنتم تلهثون مثل الكلاب لأجل حورية 

كل عام وأنتم أتمنى لكم ان تكونون في يوم من الأيام من البشر

يا أمة عربية تحت التراب مؤودة

وكل أبوابها المفتوحة صارت مسدودة

ومن كثرة النكاح والنباح صارت مهدودة

وكل تاريخها العريق باعته في أيام معدودة

كل عام وأنتم أتمنى لكم ان تكونون في يوم من الأيام من البشر 

يا أمة عربية صارت في نظر الناس مُجرمة 

أمة تقتل أبنائها كي تحافظ على أوطانها المسممّة

أمة تلهث وراء شهوتها مثل كلبة تركض وراء عظمة

وتغمض عيونها وتفتح سجونها لأن الشرف فيها صار تهمة

كل عام وأنتم أتمنى أن تكونون بشر 

يا أمة صار الوطنّ فيها لعبة والدّين مصلحة وتجارة 

أمة تعرف أن تركبّ النساء ولا تركبّ ركبّ الحضارة

أمة كلّ حواراتها الثقافية تدور حول الجنسّ والتختّ والدعارة 

أمة كلّ شرفها العظيم صار محصور بشيء اسمّه غشاء البكارة

كل عام و أنتم أتمنى لكم ان تكونون في يوم من الأيام من البشر 

يا قلوباً أقسّى من الحجرّ

يا عقولاً أسمنّ من البقرّ

يا أمة أنشقّ في زمانها القمر

ومازالت حتى يومنا هذا

تعيش تحت الأرض في الحفر ..؟؟"

السبت، 21 ديسمبر 2013

حلول الاستعمار الأمريكي محل بريطانيا وفرنسا في العالم العربي


حلول الاستعمار الأمريكي محل بريطانيا وفرنسا في العالم العربي

أمريكا تدخل المنطقة وتحصد أكبر غنيمة في التاريخ :

فلنعد لتتبع سريع لمسار تاريخ علاقات الولايات المتحدة الأمريكية بالمنطقة العربية، كي نرصد الخط العام لحقيقة العلاقات الأمريكية – الإسرائيلية في إطارها . فالتاريخ دائما يقض سكينة ونوم أعدائه، وفيه لشعوبنا بوصلة هادية للطريق.
دخلت المنطقة في دائرة اهتمام الولايات المتحدة الشديد، منذ بدايات القرن العشرين، مع ظهور مؤشرات تمتع منطقة الخليج بمخزون هائل من البترول. تزامن ذلك مع ما أظهرته خبرة الحرب العالمية الأولى من خطر اعتماد الولايات المتحدة ودول الغرب الصناعي على احتياطيات البترول الأمريكي لتلبية الاحتياجات المتزايدة عليه، وضرورة الحصول "السيطرة" على مصادر خارجية.
على صعيد آخر أدركت الولايات المتحدة الأمريكية أن قيادة المنظومة الرأسمالية العالمية تتوقف إلى حد كبير على من يفرض سيطرته على مصادر إنتاج البترول الخارجية.

وكما شكلت قناة السويس في مصر حالة نزاع طويل بين أقطاب الاستعمار القديم لفرض السيطرة عليها وتأمينها، شكل البترول العربي حالة مماثلة لكن في ظروف تطور جديد للرأسمالية العالمية كان أهم قسماته نمو مضطرد للرأسمالية الاحتكارية الأمريكية أمام تراجع تدريجي لقوى الرأسمالية الاحتكارية الممثلة بدول الاستعمار القديم "بريطانيا وفرنسا" الأمر الذي سهل على الولايات المتحدة قيامها في بادئ الأمر بمزاحمة بريطانيا في استغلال موارد البترول العربي ، ثم تقاسمها، ثم هيمنتها شبه الكاملة عليها.
وقد نجحت الولايات المتحدة إذن في الوثوب إلى المنطقة العربية منذ بدايات القرن العشرين انطلاقا من منطقة الخليج العربي البترولية عبر إزاحة بريطانيا برفق أولاً ثم بغلظة.


وحسبما جاء في كلمات وزارة الخارجية الأمريكية اعتبرت المملكة السعودية " المصدر الهائل للقوة الإستراتيجية وأحد أعظم الجوائز المادية في التاريخ العالمي"، فجعلت تلك المنطقة – منطقة الخليج العربي – من أهم مناطق نفوذها في العالم وقاعدة تغلغلها في بقية أجزاء الوطن العربي بعد ذلك.
بدأت الولايات المتحدة في الحصول على موطئ قدم في منطقة الخليج العربي منذ عام1900 عن طريق إرسال بعثات تبشيرية حددت نشاطها في الأمور الثقافية والتعليمية والطبية كمصدر رئيسي للمعلومات عن المنطقة وكوسيلة للاتصالات بآلاف العامة من الناس. وقد قام هؤلاء المبشرون بتمهيد الأجواء لرجال أعمال الزيت.

الأهم من ذلك في إعلان المبادئ "لويلسن" وما خص الشعوب المستعمرة منها في تأكيد حق تقرير المصير" بحيث ل تصبح تلك الشعوب تباع وتشتري على موائد السياسة شأنها في ذلك شأن السلع سواء بسواء" ، وما مثلته من ركيزة سياسية لطمأنة تلك الشعوب – ومنها الشعوب العربية – لسياسات الولايات المتحدة عالميا وقبولها لها بل والترحيب بها كنصير قوي لحقهم في الاستقلال. ولأنه ليس لها أطماع سياسية مثل دول الاستعمار القديم !!

اغتصاب فلسطين بوابة الحلول الاستعماري الأمريكي في المنطقة :


بات ملحا على السياسة الأمريكية – بعد تحقيق وثوبها إلى منطقة الخليج العربي – أن تعمل على حماية وتأمين مصالحها في البترول، من المنافسة الاستعمارية الضارية عليه من جانب والأهم من شعوب المنطقة العربية
عرض التصريح قبل أن يعلن على الرئيس الأمريكي "ويلسون" الذي أقره، ثم قررت دول الحلفاء الرئيسية – الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا – أن تعهد لبريطانيا بالانتداب على فلسطين وأن تكون حكومة الانتداب مسئولة عن وضع تصريح "بلفور" موضع التنفيذ، كما أعتمد الكونجرس تصريح بلفور بقرار مشترك في 20 يونيو 1922، ثم أعيد تأكيد ذلك في ديسمبر 1924 بمقتضى الوفاق الأمريكي البريطاني بشأن النتداب على فلسطين.

الحقيقة أن زعماء المشروع الصهيوني عندما وجدوا في الولايات المتحدة قائدا قادما بقوة لرأس المال الدولي المهيمن على حساب بريطانيا التي أيقنوا زوال شمس إمبراطوريتها، وعندما وجدوا تبني رأس المال الأمريكي ممثلا في دولته – في إطار سعيه لقيادة الرأسمالية العالمية – لمشروعهم الذي سترتكز عليه إستراتيجيته في المنطقة العربية، نقلوا نشاطهم السياسي إلى الولايات المتحدة 
وعلى ذلك نستطيع القول بأن الولايات المتحدة الأمريكية قد تولت أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية – الدور الأساسي في اغتصاب فلسطين


الثابت والمتغير في السياسة الأمريكية :

منذ اغتصاب فلسطين، واصلت الولايات المتحدة، بوتائر أعلى، قيادة الإمبريالية العالمية في تحمل عبء النفقات الهائلة لتعزيز الكيان الصهيوني.
الثابت : استمرار وتشديد السيطرة الاستعمارية الأمريكية وضمان أمن إسرائيل كمحور أساسي في نظام هذه السيطرة وأداة أساسية من أدواتها من خلل تثبيتها وتقديم كل أنواع الدعم التي تضمن تفوقها على سائر الدول العربية مجتمعة.... لماذا؟


ما بعد هزيمة يونيو 1967 وشعار إزالة آثار العدوان :

يتضح تماما مما سبق أن السبب الرئيسي لحرب يونيو 1967 هو سعي أمريكا لإخضاع مصر وسوريا وغيرهما من الدول العربية التي تنهج نهجا تحرريا وطنيا لمشيئتها، وأن إسرائيل شنت هذه الحرب تحديدا نيابة عن أمريكا وتحقيقا لهدافها المباشرة. ومن هول الهزيمة التي فاقت أسوأ التوقيعات احتجبت هذه الحقيقة التي كانت واضحة تماما قبل الحرب خلف المكتسبات المباشرة وغير المباشرة الهائلة التي جنتها إسرائيل من هزيمتنا.
بعد الهزيمة أيضا لعبت الولايات المتحدة الدور الرئيسي والحاسم لمنع مجلس الأمن الدولي من اعتبار الحرب عدوانا إسرائيليا علي الدول العربية وإنما نزاعا عربيا إسرائيليا. فحالت دون صدور قرار يدين العدوان أو يدعو إلي الانسحاب غير المشروط للقوات المعتدية، بل أصدرت أمريكا بيانا يحمل مصر مسئولية الحرب، وأجبرت مجلس الأمن علي إصدار قراره الشهير 242 الذي كافأ المعتدي علي عدوانه.


أن العلاقة بين المخططات الأمريكية الاستعمارية في العالم العربي وبين المشروع الصهيوني هي علاقة ارتباط وثيقة ومباشرة ، ويخضع الثاني للأولي . ولكل مرحلة من مراحل التوسع الاستعماري الأمريكي المرحلة التي تناسبها من مراحل تطور المشروع الصهيوني. ويلتقي الاثنان حول هدف استراتيجي دائم ما بقيت الإمبريالية، هو أن وجود دولة قوية صهيونية تجمع اكبر عدد من يهود العالم الذين أعمت الصهيونية بصيرتهم علي أرض فلسطين، هو الضمان والملاذ الأخير لحماية المصالح الاستعمارية عندما تعجز الجيوش الأمريكية أو غيرهما من جيوش الاستعمار العالمي عن البقاء في المنطقة.


الانتفاضة الفلسطينية تواجه نهج كامب ديفيد وآثار حرب الخليج 1991

ترك خروج مصر من قوي المواجهة العربية لإسرائيل آثاره السلبية العميقة والسريعة علي الدول العربية كافة. ففضلاً عن الغزو الإسرائيلي للجنوب اللبناني وحصار بيروت 1982 دون أن تحرك أي من هذه الدول ساكنا، تقاطعت مواقف جبهة " الصمود والتصدي" مع موافق حلف كامب ديفيد في إزكاء نيران الحرب العراقية الإيرانية التي حرضت أمريكا علي إشعالها. وقبل حرب الخليج 1991 كانت المقاطعة العربية للسلطة المصرية وجبهة الصمود والتصدي قد انتهتا. وسرعان ما تشجع المؤيدون في سريرتهم لكامب ديفيد وحسم المترددون ترددهم وقبلوا الأسس الأمريكية الإلزامية لتسوية قضية الأراضي العربية المحتلة في يونيو 1967. وساقت أمريكا ، في ظلل الهزيمة العربية التي مثلها تدمير أمريكا للعراق وفرض الحصار عليه وحشودها العسكرية الهائلة في المنطقة الدول العربية وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية إلي مؤتمر مدريد 1991. أسفر المؤتمر والأسس التي اعتمدها عن عقد اتفاقية وادي عربة بين الأردن وإسرائيل 1994 لكي تؤدي الدولة الأردنية دورا سافرا في خدمة التحالف الأمريكي الصهيوني وتطبيع العلاقات العربية مع العدو الإسرائيلي والدفع في اتجاه عزل الثورة الفلسطينية وتصفيتها، كما أسفر عن عقد اتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل في نهاية 1


احتلال العراق، إسرائيل في الأسباب والنتائج

أن كان دعم إسرائيل وخلق أوضاع سياسية وعسكرية جديدة في المشرق العربي أكثر مواتاة لإسرائيل في عدوانها علي الحقوق العربية أحد السباب الأساسية لاحتلال العراق، فإنها ستكون أيضا أحد المستفيدين الأساسيين بل المستفيد الأساسي، بعد أمريكا، ما لم تقل بنفس قدر استفادة أمريكا من تحول الأخيرة إلي قوة إقليمية تحكم حكما مباشرا أكبر دول المشرق العربي وتنشر قواعدها العسكرية في معظم دولة.


فعلي مستوي الترتيبات الأمريكية – المعلنة للمنطقة استنادا لاحتلالها العراق فإن إسرائيل محور أساسي فيها جميعا.


-إخضاع سوريا ولبنان إخضاعا تاما للسيطرة السياسية والعسكرية والاقتصادية الأمريكية باعتبارهما دولتين من دول المنطقة التي قررت أمريكا احتكار السيطرة عليها.
- إجبار الدول العربية كافة علي تغيير جوانب محددة في مناهج التعليم والخطاب الديني لتخليصهما من المفاهيم المعادية للاستعمار الجديد وإسرائيل والصهيونية .
-السيطرة الاقتصادية الأمريكية الشاملة علي العالم العربي والتي يجسدها، بعد السيطرة علي البترول العربي ونهبه، إقامة منطقة حرة أمريكية شرق أوسطية تضم إسرائيل و22 دولة من دول المنطقة وتعطي لإسرائيل دورا محوريا كشريك لأمريكا في السيطرة الاقتصادية علي البلد العربية.
- تطبيع العلاقات بين إسرائيل والعراق المحتل، وحضور الحاكم الأمريكي للعراق منتدى دافوس في الأردن هو تأكيد وإعلان بذلك، هذا فضلا عن استكمال تطبيع علاقات دول الخليج وغيرها من الدول العربية بإسرائيل.
- حمل سوريا ولبنان علي الإذعان للأطماع الإسرائيلية في الأرض السورية واللبنانية بقبول تسويات تضم أجزاء منها لإسرائيل وتنزع سلاح أجزاء أخرى تحقيقا للحدود الآمنة لإسرائيل وفقا لمفهوم الأمن الخارجي.

ليس في هذا التبني الأمريكي الإسرائيل الذي يملا قلوب الشعوب العربية غضبا علي أمريكا وكراهية لها أي سفه في التفكير أو السلوك السياسي للإدارات الأمريكية من منظور مصالحها العليا ، أي مصالح الرأسمالية الاحتكارية الاستعمارية الأمريكية.
ولأن المستعمرين الأمريكيين يعرفون أيضا أن احتلالهم الدائم للعراق أو غيره من الدول العربية هو إلي زوال طال الزمن أم قصر ، وأن مصالحهم ستحميها في نهاية الأمر القوة الإقليمية المرتبطة بهم التابعة والمنتجة لهم وهي إسرائيل ، فإنهم لن يتوانوا عن العمل مستفيدين من احتلال العراق والترتيبات التي يجرونها في المنطقة استنادا للقوة العسكرية علي تمكين الكيان الصهيوني من التوسع في أراضي الدول العربية المجاورة له، مرورا بتصفية المقاومة الفلسطينية واستمرار الهجرة اليهودية المنظمة إلي فلسطين وتهجير الفلسطينيين إلي العراق أو إلي الأردن قبل احتياجها هي وغيرها من الأراضي في دول الطرق العربية. قد تبدو هذه المخططات الإسرائيلية والميول والآمال الأمريكية عسيرة أو بعيدة المنال.

لكن ما الذي يجعلها كذلك بعيدة المنال غير مقاومة الشعوب العربية المظفرة؟


الخلاصــة

إن الحقيقة التي يجب أن لا ينساها أو يتناساها أحد من أبناء شعوبنا العربية، أن بلادنا بأسرها ستظل كما هي عليه الآن مطمعا للاستعمار الأمريكي ولقمة سائغة له ولأداته إسرائيل، ما لم تلحق شعوبنا الهزيمة الحاسمة بالاحتلال الأمريكي والإسرائيلي أو السيطرة العسكرية الأمريكية أو الإسرائيلية على بعض البلاد العربية وبعلاقات التبعية السياسة والعسكرية والاقتصادية الاستعمارية للولايات المتحدة التي فرضت من قبل والتي يراد فرض المزيد منها اليوم على باقي هذه الدول. وإلحاق الهزيمة الحاسمة بالعدوين الأمريكي والإسرائيلي أمر ممكن ولا بديل عنه إلا العبودية الدائمة للاستعمار والصهيونية. 


الجمعة، 6 ديسمبر 2013

بسطة عن حياة فقيد الإنسانية " نيلسون مانديلا "



( من مواليد 18 يوليو 1918 - توفي 5 كانون ثاني 2013) سياسي مناهض لنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا وثوري شغل منصب رئيس جنوب أفريقيا 1994-1999. وكان أول رئيس أسود لجنوب أفريقيا، انتخب في أول انتخابات متعددة وممثلة لكل الأعراق. ركزت حكومته على تفكيك إرث نظام الفصل العنصري من خلال التصدي للعنصرية المؤسساتية والفقر وعدم المساواة وتعزيز المصالحة العرقية. سياسيا، هو قومي أفريقي وديمقراطي اشتراكي، شغل منصب رئيس المؤتمر الوطني الأفريقي (African National Congress : ANC) في الفترة من 1991 إلى 1997. كما شغل دوليا، منصب الأمين العام لحركة عدم الانحياز 1998-1999.
ولد في قبيلة الكوسا (Xhosa) للعائلة المالكة تيمبو (Thembu). درس مانديلا في جامعة فورت هير وجامعة ويتواترسراند، حيث درس القانون. عاش في جوهانسبورغ وانخرط في السياسة المناهضة للاستعمار، وانضم إلى حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، وأصبح عضوا مؤسسا لعصبة الشبيبة التابعة للحزب. بعد وصول الأفريكان القوميين من الحزب الوطني إلى السلطة في عام 1948 وبدأ تنفيذ سياسة الفصل العنصري، برز على الساحة في عام 1952 في حملة تحد من حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، وانتخب رئيس لفرع حزب المؤتمر الوطني بترانسفال وأشرف على الكونغرس الشعبي لعام 1955. عمل كمحام، وألقي القبض عليه مرارا وتكرارا لأنشطة مثيرة للفتنة، وحوكم مع قيادة حزب المؤتمر في محاكمة الخيانة 1956-1961 وبرئ فيما بعد. كان يحث في البداية على احتجاج غير عنيف، وبالتعاون مع الحزب الشيوعي في جنوب أفريقيا شارك في تأسيس منظمة اومكونتو وي سيزوي المتشددة (Umkhonto we Sizwe : MK) في عام 1961، ألقي القبض عليه واتهم بالاعتداء على أهداف حكومية. وفي عام 1962 أدين بالتخريب والتآمر لقلب نظام الحكم، وحكمت عليه محكمة ريفونيا بالسجن مدى الحياة.
مكث مانديلا 27 عاما في السجن، أولا في جزيرة روبن آيلاند، ثم في سجن بولسمور وسجن فيكتور فيرستر. وبالموازاة مع فترة السجن، انتشرت حملة دولية عملت على الضغط من أجل إطلاق سراحه، الأمر الذي تحقق في عام 1990 وسط حرب أهلية متصاعدة. صار بعدها مانديلا رئيسا لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي ونشر سيرته الذاتية وقاد المفاوضات مع الرئيس دي كليرك لإلغاء الفصل العنصري وإقامة انتخابات متعددة الأعراق في عام 1994، الانتخابات التي قاد فيها حزب المؤتمر إلى الفوز. انتخب رئيسا وشكل حكومة وحدة وطنية في محاولة لنزع فتيل التوترات العرقية. كرئيس، أسس دستورا جديدا ولجنة للحقيقة والمصالحة للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان في الماضي. استمر شكل السياسة الاقتصادية الليبرالية للحكومة، وعرضت إدارته تدابير لتشجيع الإصلاح الزراعي ومكافحة الفقر وتوسيع نطاق خدمات الرعاية الصحية. دوليا، توسط بين ليبيا والمملكة المتحدة في قضية تفجير رحلة بان آم 103، وأشرف على التدخل العسكري في ليسوتو. امتنع عن الترشح لولاية ثانية، وخلفه نائبه تابو إيمبيكي، ليصبح فيما بعد رجلا من حكماء الدولة، ركز على العمل الخيري في مجال مكافحة الفقر وانتشار الإيدز من خلال مؤسسة نيلسون مانديلا.
أثارت فترات حياته الكثير من الجدل، شجبه اليمينيون وانتقدوا تعاطفه مع الإرهاب والشيوعية. كما تلقى الكثير من الإشادات الدولية لموقفه المناهض للاستعمار وللفصل العنصري، حيث تلقى أكثر من 250 جائزة، منها جائزة نوبل للسلام 1993 و ميدالية الرئاسة الأمريكية للحرية ووسام لينين من النظام السوفييتي. يتمتع ماندبلا بالاحترام العميق في العالم عامة وفي جنوب أفريقيا خاصة، حيث غالبا ما يشار إليه بإسمه في عشيرته ماديبا أو تاتا ، وفي كثير من الأحيان يوصف بأنه "أبو الأمة"