فادي طويل / جريدة السفير بين شعور بالندم على التسبب غير المقصود بالأذى لبلاده، والإصرار على أنه قام بفعلته نتيجة دوافع إنسانية للدفاع عن الشفافية وحقّ الفرد في المعرفة. في هذا المجال، كتب الفيلسوف السلوفيني الشهير سلافوي جيجيك مقالاً نُشر قبل فترة يلخّص فيه بأسلوبه، المراوغ والمتشعّب أحياناً، رأيه في سنودن وأمثاله من «الأبطال»، وخصوصاً تشلسي مانينغ وجوليان أسانج لدورهم في الحفاظ على حقّ الإنسان في التخلص من شرك البرامج الاستخباراتية السرية. يقول جيجك إنّ تسريبات «وكالة الأمن القومي» الأميركيّة، أثبتت أنّ تسريب المعلومات والوثائق أصبح الآن فنّاً أساسيّاً. إنه وسيلتنا لإبقاء «المنطق العام» حياً. ويكتب: «نتذكر كلنا الوجه المبتسم للرئيس الأميركي باراك أوباما، مليئاً بالأمل والثقة، في حملته الأولى: «نعم، نستطيع» ــ نستطيع التخلص من عبثية مرحلة بوش وسنجلب العدالة والرفاه للشعب الأميركي. لكن الآن، باستمرار الولايات المتحدة في عملياتها السرية وتوسيع شبكاتها الاستخباراتية، والتجسّس حتى على حلفائها، نستطيع أن نتخيّل المحتجين يصرخون على أوباما: «كيف يمكنك أن تستخدم طائرات من دون طيار للقتل؟ كيف يمكنك أن تتجسس حتى على حلفائنا؟». يتمتم أوباما بابتسامة ساخرة شريرة: «نعم، نستطيع.» من جهة أخرى، يرى جيجك أنَّ الشخصنة البسيطة تخفق في إصابة المعنى: إذ انّ لتهديد الحرية الذي يكشفه المسرّبون جذوراً أعمق و أكثر نُظميّة. «يجب الدفاع عن إدوارد سنودن ليس فقط لأن أفعاله قد أزعجت وأحرجت السلطة الأمنية الأمريكية السرية، ما كشفه هو شيء لا تقوم به الولايات المتحدة وحدها، وإنما جميع القوى العظيمة (وغير العظيمة تماماً) ــ من الصين إلى روسيا إلى ألمانياــ وإلى الدرجة التي تستطيع تحقيقه تقنياً». ويضيف جيجك: «لقد وضعت أفعاله (سنودن) أساساً حقيقياً لارتيابنا في أننا مراقبون ومتحكّم بنا ــ هذا درس عالميّ، الوصول أبعد مما تستطيع الولايات المتحدة الوصول إليه لضربه. لم نتعلم، بالفعل، من سنودن (أو مانينغ) أي شيء لم نكن قد افترضنا كونه صحيحاً من قبل. لكن ما يمكننا معرفته عموماً شيء، والبيانات المتماسكة شيء آخر. هذا يشبه إلى حدّ ما معرفة أنّ شريك أحد ما يقوم بالتلاعب به ــ يمكن للمرء أن يتقبل المعرفة المجردة، لكن الألم ينبع من الوصول إلى التفاصيل الدقيقة والحميمة، صور ما يقومون به». ويلخّص جيجك المسألة بكلمتين جوهريتين: اختلاس وتحكّم. «ثمة نظام مراقبة شامل خفيّ عن المستخدمين يقوم بالتحكم بوظيفية السحابة. كلما كانت الأداة (الوسيلة) صغيرة وشفافة وسهلة الاستخدام، مثل الهاتف الذكي الذي نحمله في أيدينا، ازداد الاعتماد على دائرة كاملة من النّظم والوظائف تعمل في نطاق بعيد وتتشارك مع خبرة المستخدم، وكلما كانت خبرتنا ضئيلة ومعرفتنا ضحلة وعفوية وشفافة، كنّا هدفاً سهلاً لتتحكم بنا الهيئات الحكومية والشركات الخاصة الكبيرة التي تنفذ أجندات سرية». عندما نختار أن نتبع طريق المؤسسات السرية، فإننا سنصل عاجلاً أم آجلاً إلى نقطة تصبح فيها النّظم القانونية التي تصف لنا ما هو سريّ، سرّية بذاتها، برأي جيجك. يقول: «لهذا السبب يلعب مسرّبو المعلومات دوراً حاسماً في الحفاظ على «المنطق العام» حيّاً. أسانج، مانينغ، سنودن..هؤلاء أبطالنا الجدد، حالات نموذجية للأخلاقيات الجديدة التي تناسب عصرنا الحديث من التحكّم المرقمن. إنهم لم يعودوا مجرد مسرّبي معلومات يكشفون الممارسات غير القانونية للشركات الخاصة أمام السلطات الشعبية، وإنما يقومون بكشف هذه السلطات الشعبية ذاتها عندما تشارك في «الاستخدام الخاص للفكر». ويرى الفيلسوف السلوفيني إننا بحاجة لمانينغ وسنودن عديدين في الصين وروسيا وكلّ مكان. «هناك دول أكثر استبداداً من الولايات المتحدة ـــ لنتخيل فقط ماذا كان يمكن أن يحصل لشخص مثل مانينغ في محكمة صينية أو روسية (في محاكمة غير علنية بجميع الأحوال). لكن، لا يجب المبالغة بنعومة موقف الولايات المتحدة، لأنها وبتفوقها التقني والمعلوماتي لا تحتاج لمعاملة سجنائها بقسوة كبيرة كغيرها من الدول (مع استعداد دائم لتنفيذ هذه الوحشية حين الحاجة). لهذا، فإن الولايات المتحدة أكثر خطورة بكثير من أي نظام تسلّطي واضح للعيان. لدى أميركا ما تخبئه خلف واجهة متينة ومتماسكة من التقنية المعلوماتية. لا يمكن الاعتماد على قيام فرد باختلاق علاقة ضدّية بين دولتين كما فعل سنودن بالتجائه إلى روسيا في مواجهة أميركا. إننا بحاجة لشبكة دولية تنظّم حماية مسرّبي المعلومات وتؤمن نشر رسالتهم. مسربو المعلومات هؤلاء هم أبطالنا لأنهم يثبتون أنه إذا كان باستطاعة من هم في السلطة القيام بالفعل، فإن بإمكاننا نحن أيضاً القيام بفعل مواجه». |
الخميس، 31 أكتوبر 2013
سلافوي جيجك: عن حاجة البشريّة إلى مسرّبي المعلومات
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق